تفقدية وزارة العدل: الطيّب راشد كبّد الدولة خسائر بـ 6 آلاف مليار .. والعكرمي طمس حقيقة ملفي الشهيدين والجهاز السري..

تفقدية وزارة العدل: الطيّب راشد كبّد الدولة خسائر بـ 6 آلاف مليار .. والعكرمي طمس حقيقة ملفي الشهيدين والجهاز السري..

في منتصف اوت المنقضي، وبينما كان مجلس القضاء العدلي بصدد النظر في ملف الطيب راشد الرئيس الاول لمحكمة التعقيب المتهم بشبهة تلاعب بقضايا فساد مالي من الحجم الثقيل، نشر بعض القضاة على الانترنات تقريرا أعده وكيل الجمهورية السابق البشير العكرمي عما أسماها أعمالا منسوبة للرئيس الاول لمحكمة التعقيب.

وأشار العكرمي الى انه انجز تقريره الممتد على 42 صفحة بعد اطلاعه على المسار القضائي والاجرائي لقضيتي رجلي الاعمال نجيب اسماعيل وفتحي جنيح وبعد عودته للأبحاث التأديبية المنجزة من قبل التفقدية العامة بوزارة العدل وبعد التحري في الممتلكات العقارية للطيب راشد لدى الإدارة العامة للاداءات والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

ووفق التقرير شاب أداء القاضي الطيب راشد عند توليه منصب وكيل عام بمحكمة الاستئناف وخلال ترؤسه محكمة التعقيب العديد من التجاوزات وتدخل بصفة مباشرة وغير مباشرة في مسار قضيتين قُدّرت خسائر الدولة فيها بـ 6000 مليون دينار.

وتبين من خلال الاطلاع على مسار قضيتي رجلي الاعمال اللذين تم ايقافهما في ما عرف بحملة على الفساد في ماي 2017 ان الطبيب راشد انحرف بمسارهما بتعمده بصفته وكيلا عاما لمحكمة الاستئناف عدم إحالة الملف على قاضي التحقيق قصد تنفيذ قرار دائرة الاتهام بما تسبب في استهلاك مدة ايقاف المتهم الاول نجيب اسماعيل ومن ثمة تمتيعه بالافراج الوجوبي لانقضاء المدة القصوى المنصوص عليها بالفصل 85 من مجلة الاجراءات الجزائية.

واشار بشير العكرمي الى انه بتاريخ 16 اوت 2018 كلّف الوكيل العام الطيب راشد دائرة اتهام أخرى غير مختصة قانونا للنظر في ملف رجل الاعمال وأنها قررت الافراج عنه لانقضاء اجال الايقاف التحفظي، رغم ان الجهة المختصة في النظر في مطلب الافراج الوجوبي هو قاضي التحقيق.

واعتبر التقرير ان مسؤولية الوكيل العام مضاعفة اعتبارا لمسؤوليته القانونية والادارية بخصوص سلامة تنفيذ قرار دائرة الاتهام.

وذكر ان المحامي الذي تولى الطعن في التعقيب لم يكن اطلاقا نائبا في القضية وليس له اعلام نيابة سابق وانه تولى الطعن بعد انقضاء اجال الطعن القانونية.

وبين ان الطيب راشد واصل تدخله في المسار الاجرائي لقضية رجل الاعمال نجيب اسماعيل بعد تعيينه رئيسا اول لمحكمة التعقيب.

ولئن ينص القانون على وجوب اقتصار الدوائر الصيفية بالمحاكم على قضايا الموقوفين فقد تولى الطيب راشد احداث مسارات قضائية موازية بتعيين دائرة صيفية تحت عدد 35 للنظر في قضية المتهم نجيب اسماعيل رغم انه بحالة سراح على خلاف ما اقترح بشير المطوي وكيل الرئيس الاول للتعقيب، وفق افادته امام التفقدية العامة.

وتولى راشد وفق نفس المصدر احداث دائرة صيفية اخرى تحت عدد 36 للنظر في ملف فساد رجل أعمال ثان يدعى فتحي جنيح وعين قضاة لا تتوفر فيهم الشروط القانونية لتقلد رؤساء دوائر وفرض تعيين المستشار م. ت للعمل بهذه الدوائر رغم رفضه التعيين.

وعند استماع التفقدية العامة لهذا المستشار الذي ترأس دائرة تعقيبية تبين انه يحمل وثيقة طبية تثبت معاناته من عجز ذهني بـ 67 بالمائة وانه يتعذر عليه التعاطي مع ملفات قضائية من الحجم الكبير موضوعها فساد مالي.

وصرح هذا المستشار انه لم يطلع اطلاقا على محتوى القرارات التعقيبية الصادرة، وفق نفس التقرير.

في هذا السياق اكد احد القضاة ان زميله الذي يعاني من عجز ذهني والذي تم تعيينه رئيسا للدائرة الصيفية لم يشارك في المفاوضة إلا نادرا لأنه كان بصدد التدخين خارج المكتب، وأنه عندما كان يعود للمكتب كانت حالته الصحية سيئة ولا تمكنه من الاطلاع على الملفات وفهم مضمونها، حسب تقرير العكرمي.

وصرح الوكيل الاول لرئيس محكمة التعقيب البشير المطوي للتفقدية العامة بوزارة العدل بعد اتصاله بها لكشف تجاوزات الطيب راشد انه يجهل مرد احداث الدائرتين وانه لم تتم استشارته في احداثهما وانه تفطن لاحقا الى ان الرئيس الأول استغل طيبته لتنفيذ مشروع معين داخل المحكمة خاصة منها المسارات القضائية لبعض القضايا التي كان يتولى الطيب راشد اختيارها وانه كان يتولى اعداد قائمة خاصة لبعض القضايا التي يعتبرها هامة والواردة خاصة من القطب القضائي المالي والاقتصادي والقطب القضائي لمكافحة الإرهاب.

وبين انه شاب القضيتين شابهما فساد مالي أو سياسي أو ارتشاء بالنظر للظروف التي حفت بتعيين الدوائر الصيفية والقرارات المتخذة بالنقض وعدم الإحالة.

وذكر المطوي انه واجه الطيب راشد برفض مختلف التجاوزات التي اقترفها في عدد من القضايا، وانه طلب منه عدم التدخل مستقبلا في تعيين اية قضية أو بعث مسارات موازية، وانه التقى بيوسف بوزاخر الرئيس الأول للمجلس الأعلى للقضاء وأعلمه بأنه تيقن من أن تعيينه في خطة وكيل اول لرئيس محكمة التعقيب لم يكن مبنيا على مبدأي النزاهة والكفاءة وانما لتشريكه في تحويل مسارات قضائية تعقيبية إلى مسارات يشوبها الفساد.

ولفت تقرير التفقد الى أن الدائرتين الصيفيتين المعينتين من قبل الطيب راشد في 2019 اصدرتا قرارت بالنقض دون الاحالة في ثماني قضايا فساد مالي. وشدد على انها قرارات مسترابة وعلى ان فيها خرق للقانون وعلى انه تحوم حولها الشبهات.

وعرج على القضية التعقيبية المتعلقة بالمستثمرين فتحي جنيح وعادل جنيح المتهمين بشبهات تبييض اموال والتدليس ومسك واستعمال مدلس وتوريد بضاعة محجرة دون اعلام فأكد ان الدائرة الصيفية التي عينها الطيب راشد للنظر في هذه القضية حكمت بنقض قرار المحكمة دون احالة في وانها تعللت بأن:

ـ الديوانة ارتكبت خطأ شكليا مخالفا لاحكام الفصل 29 من مجلة الصرف بمباشرة فرقة الابحاث الديوانية التتبع في الجرائم القمرقية والصرفية بناء على تعليمات من النيابة العمومية ودون اذن صريح من وزير المالية أو بتفويض كتابي منه.

ـ احكام الفصل 269 من مجلة الاجراءات الجزائية تنص على انه يمكن لمحكمة التعقيب ان تقرر النقض دون احالة إذا لم يبق لمحكمة الأصل أي شيء يستوجب الحكم من جديد.

وختم البشير العكرمي تقريره بالتأكيد على امتلاك الطيب راشد 30 عقارا بين شقق و»فيلات» وضيعات في تونس وبن عروس ومنوبة ونابل، مشددا على انه لم يصرح للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ببعض العقارات.

تقاعس البشير العكرمي

من جهته، أنجز الطيب راشد تقريرا ضد البشير العكرمي وكيل الجمهورية السابق اكد فيه انه خلال فترة عمل العكرمي في خطة قاضي تحقيق بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب تجاهل اعترافات عامر البلعزي المعترف بإتلاف السلاحين الناريين المستعملين في عمليتي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وانه لم يستمع الى من شهد ضده من بقية المتهمين ولم يطلب نسخا من ابحاثهم لاضافتها لملف القضية.

واشار راشد الى عدم اجراء العكرمي اي اختبار فني على جهازي حاسوب محجوزين عن المتهمين الرئيسيين.

وكانت هيئة الدفاع قد اكدت انها فوجئت باختفاء محاضر بحث المتهم عامر البلعزي ومن معه والتي تتضمن اعترافاتهم من ملف القضية.

وعند ارجاع الملف الى قاضي التحقيق لاستكمال الابحاث بإعادة سماع البلعزي وبقية المتهمين تم التفطن الى سرقة الحاسوبين المحجوزين مع مجموعة أخرى من الحواسيب من المحكمة الابتدائية بتونس.

وبالتحقيق مرة اخرى مع المتهمين تراجعوا عن اعترافاتهم مدعين تعرضهم للتعذيب رغم ان أعوان الضابطة العدلية وثقوا عمليات الاستنطاق صوتا وصورة وحفظوها في قرص مضغوط، ثم تبين في ما بعد تعرض القرص الى السرقة من ملف القضية ففتح العكرمي بحثا تحقيقيا ضد اعوان الامن بناء على شكاية من عامر البلعزي في التعذيب.

واتهم العكرمي بعدم تضمين شكاية هيئة الدفاع عن الشهيدين ضده والتي تم اتهامه فيها بالمشاركة في القتل العمد إلى ملف نفس القضية.

وكشف التقرير تعمد وكيل الجمهورية السابق فتح خمس مسارات إجرائية مختلفة وفي بعض الاحيان متناقضة في ملف واحد وهو ما سمي ب «ملف الجهاز السري للحركة النهضة» والذي انطلق بشكاية مواطنة بسبب منعها من قبل مصطفى خذر، الذي استأجر منها محلان من المرور الى الطابق العلوي لبيتها، ليتم اكتشاف عشرات الاكياس والعلب المملوءة بوثائق امنية خطيرة وأجهزة تنصت وتجسس ومخططات لاغتيالات وقائمات أسمية لامنيين ومواطنين.

واتهمت هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي العكرمي بتعطيل أعمال الفرق المختصة ومنعها من التعمق في الابحاث.

مسؤولية المجلس الأعلى للقضاء

وفي سياق متصل تحدث أنس الحمادي رئيس جمعية القضاة التونسيين الحمادي عن وجود لوبيات متنفذة داخل القضاء وعن شخصيات متموقعة في أعلى المستويات تغطي على هذه اللوبيات. واوضح ان جمعية القضاة لم تشر فقط الى ملف الطيب راشد أو البشير العكرمي بل كذلك الى خالد عباس الوكيل العام بنابل.

ولفت الى ان الجمعية كانت قد قدمت شكاية ضد خالد عباس الى التفقدية العامة بوزارة العدل منذ اكتوبر 2020، مؤكدا على انها لا تزال تراوح مكانها.

وبرر الحمادي هذه التغطية بتمتع الشخصيات القضائية النافذة بتغطية وبحماية من المتفقد العام بوزارة العدل.

وعرج على تجاوزات خالد عباس، مشيرا الى تعمده عدم التعقيب على احكام قضائية تهم احد رجال الاعمال والى ان ذلك تسبب في خسارة الدولة حوالي 9 ملايين دينار.

وذكر الحمادي انه سبق للجمعية ان راسلت المجلس الاعلى للقضاء لحثه على التصدي لمختلف التجاوزات المقترفة دون ان يحرك مجلس القضاء العدلي ساكنا.

وكنتيجة لهذا التعاطي السلبي للمجلس، كانت بصمات خالد عباس واضحة في آخر حركة قضائية من خلال معاقبة القضاة الشرفاء ومجازاة وترقية القضاة الطيعين والمستجيبين لطلباته، وفق نفس المصدر.

وفي نفس الفترة تم الاحتفاظ بقاضية متهمة بمحاولة تهريب مليون وخمسمائة ألف دينار، قالت انها كانت بصدد ايصالها الى احد اصدقائها على وجه الفضل.

وقد تم الايقاف بعد ضغط اعلامي وجدل شعبي بخصوص اعتماد قضاة سياسة قائمة على الكيل باكثر من مكيال، اثر اطلاق سراح القاضية المتهمة.

وكان رضا غرسلاوي الوزير المكلف بتسيير وزارة الداخلية قد وضع القاضي البشير العكرمي قيد الاقامة الجبرية بعد ان قرر مجلس القضاء العدلي ايقافه عن العمل واحالة ملفه على النيابة العمومية.

كما قرر مجلس القضاء العدلي ايقاف الطيب راشد عن العمل وإحالة ملفه على النيابة العمومية لاتخاذ ما تراه صالحا في شأنه.

نشر باسبوعية “الشارع المغاربي” بتاريخ الثلاثاء 14 سبتمبر 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!